فخر الدين الرازي

242

تفسير الرازي

والَّذِينَ سَعَوْا في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ . " 5 " فيه في الآخرة إذا نسبه إلى ما قبلها وإذا نظر إليه في نفسه . المسألة الثالثة : ميز الرزق بالوصف بقوله كريم ولم يصف المغفرة واحدة هي للمؤمنين والرزق منه شجرة الزقوم والحميم ، ومنه الفواكه والشراب الطهور ، فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها . ثم قال تعلى ( والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم ) . لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين ، وقوله : * ( والذين سعوا في آياتنا ) * أي بالإبطال ، ويكون معناه الذين كذبوا بآياتنا وحينئذٍ يكون هذا في مقابلة ما تقدم لأن قوله تعالى * ( آمنوا ) * معناه صدقوا وهذا معناه كذبوا فإن قيل من أين علم كون سعيهم في الإبطال مع أن المذكور مطلق السعي ؟ فنقول فهم من قوله تعالى : * ( معاجزين ) * وذلك لأنه حال معناه سعوا فيها وهم يريدون التعجيز وبالسعي في التقرير والتبليغ لا يكون الساعي معاجزاً لأن القرآن وآيات الله معجزة في نفسها لا حاجة لها إلى أحد ، وأما المكذب فهو آت بإخفاء آيات بينات فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به ، وقيل بأن المراد من قوله : * ( معاجزين ) * أي ظانين أنهم يفوتون الله ، وعلى هذا يكون كون الساعي ساعياً بالباطل في غاية الظهور ، ولهم عذاب في مقابلة لهم رزق ، وفي الآية لطائف الأولى : قال ههنا : * ( لهم عذاب ) * ولم يقل يجزيهم الله ، وقد تقدم القول منا أن قوله تعالى : * ( ليجزي الذين آمنوا ) * يحتمل أن يكون الله يجزيهم بشيء آخر ، وقوله * ( أولئك لهم مغفرة ) * إخبار عن مستحقهم المعد لهم ، وعلى الجملة فاحتمال الزيادة هناك قائم نظراً إلى قوله : * ( ليجزي ) * وههنا لم يقل ليجازيهم فلم يوجد ذلك الثانية : قال هناك لهم مغفرة ثم زادهم فقال * ( ورزق كريم ) * وههنا لم يقل إلا لهم عذاب من رجز أليم ، والجواب تقدم في مثله الثالثة قال هناك : * ( لهم مغفرة ورزق كريم ) * ولم يقلله بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم ، وقال ههنا : * ( لهم عذاب من رجز أليم ) * بلفظة صالحة للتبعيض وكل ذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب بالنسبة إليها والرجز قيل أسوأ العذاب ، وعلى هذا * ( من ) * لبيان الجنس كقول القائل خاتم من فضة ، وفي الأليم قراءتان الجر والرفع فالرفع على أن الأليم وصف العذاب كأنه قال عذاب أليم من أسوأ العذاب والجر على أنه وصف للرجز والرفع أقرب نظراً إلى المعنى ، والجر نظراً إلى اللفظ ، فإن قيل فلم تنحصر الأقسام في المؤمن الصالح عمله والمكذب الساعي المعجز لجواز أن يكون أحد مؤمناً ليس له عمل صالح أو كافر متوقف ، فنقول إذا علم حال الفريقين المذكورين يعلم أن المؤمن قريب الدرجة ممن تقدم أمره والكافر قريب الدرجة ممن سبق ذكره وللمؤمن مغفرة ورزق كريم ، وإن لم يكن في الكرامة مثل رزق الذي عمل صالحاً